كافييه أو مقهى؟






كم من المرات التي قلت فيها بالجامعة ( الأستاذ/ة وصل؟، الصف وينه؟ ) وقابلتك موجة ضحك وسخرية؟ لأنك كنت المفترض تقول (المس/التيتشر وصل؟، الكلاس وينه؟) أنا حصلت لي مراتٍ عدة، أنه يُستغرب إلقاء كلمة عربية في وسط اعتاد أنه يترجم الكلمة للغة آخرى.
 قبل ابدأ اهمّ بتسليط الضوء على على حقيقة التعود على ترجمة الكلمات يجب أن اطرح اولًا مفهوم ينطلق من علم اللغويات التطبيقية والمسمى بالـتناوب اللغوي/code switching، والذي يصف تبديل المتكلم بين اللغات أو اللهجات في اثناء سياق الحديث، ويصنف كـظاهرة لغوية (طبيعية) وتحصل ممكن من باب العادة أو لأن الشخص يكون ثنائي اللغة أو أكثر ولأسباب عديدة آخرى، ويظهر التناوب اللغوي في حديثنا اليومي وإن بغضناه، فنجد اننا نقول مثلًا: ( شرأيكم نروح الكافييه اليوم؟، المس جات، الفريزر عطلانة، اللمبة شغالة…إلخ). ولا نستغرب أنفسنا أو ننكر لساننا، فكلها كلمات متداولة ومعتادة. ومثل ما ذكرت في الأعلى هي ظاهرة لغوية و(تحصل)..
 إذن أين هي المعضلة؟

 ذكرت في مدوناتي السابقة أن اللغة هي هوية الإنسان، فيجب أن يصونها ويعتز بها لأنها تُعبر عنه وعن إرثه وتاريخه ومكانته بين الأمم. إن المعضلة الحقيقة ليست بإلاعتياد على ( رمي ) الكلمات الأجنبية في أوساط الحديث، بل بإستغراب ذكرها باللغة الأم اثناء الحديث في سياقٍ عربيٍ بحت! وأن نواجه قائلها بالسخرية وكأنه إرتكب حماقة لا بعدها حماقة، فإن كان تعلم أكثر من لغة ذكاء، فكيف يكون التحدث بها بطلاقة تخلّف عن البقية؟
 إن المؤسف أكثر من استنكار الحديث بلغتنا بشكل كامل هو الإتكال على لغة آخرى
 بطلاقة في محافل كان الأحرى بها أن تظهر بالعربية، وفي لوحاتٍ كانت تجدر أن تزخر بالعربية… ليست (شخصنه) لكن ألسنا في بلدٍ عربية؟على أراضيٍ عربية؟ منزل الوحي ومنطلق الهدي الإسلامي؟ في أمة نزل إليها القرآن آخر الكتب السماوية بالعربية الفصحى ﴿إِنّا أَنزَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعقِلونَ﴾ [يوسف: ٢].
 إن ما يجعل الأمر محزنًا هو ثراء اللغة العربية بالمصطلحات المميزة والرائعة، التي اتاحت لشعّار العرب أن يغزلوا من الشعِر والأبيات ما هو في كثيرٍ من الأحيان إعــجــازي! من فصاحةٍ لا مثيل لها، ومن معانيٍ تبحر فيها وتضيع!
 ففي بيتٍ للإمام علي بن أبي طالب يمكنك من قراءته من الجهتين:

        مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم

 أي لغةٍ آخرى بهذه القوة؟
وهذا قطرة من بحر، بحرٌ يجف في حضرة العولمة التي تنشر اللغة الإنجليزي لتفرض هيمنتها على كل الأصعدة يترأسها الصعيد الثقافي، فتستهدف مواطن قوة كل أمة لتجعلنا في النهاية كالمسوخ، نفس الشكل، واللغة، والثقافة. ليس ذلك فحسب بل بالتدريج تجعل اللغات تُفقد لقلة متحدثيها، ثم في نهاية المطاف تندثر، فيندثر معها مع بالغ الأسف الكثير من العلوم والمعارف والحضارات وحتى القصص والأساطير في مظاهرٍ مؤلمة ومخزية في آن واحد.
 إنني لن أنكر ابدًا مدى جمال وأهمية تعلم اللغات ومشاركتها مع الآخرين، فكل لغة تعكس جمال حضارةٍ خلفها، وتعكس شغف شخصٍ اجتهد ليتعلمها. لكن، لا يزال علينا إدراك أن للغتنا علينا حق التعلّم والتكلّم والإعتزاز، فقبل أن تكتب على جدار مقهاك:
 ‏“ Cup of coffee is what i need “
 فكّر ثانيةّ أن تكتب ما قال المولى بن شاهين الشامي:
   وقهوة كالعنبر السحيق
   سوداء مثل مقلة المعشوق
   أتت كمسك فائح فتيق
   شبهتها في الطعم كالرحيق
 أو ما قال شاعر الوطن خلف بن هذال:
     سولي الكيف وأرهولي من الدله
     البن الأشقر يداوي الراس فنجاله
 فبوسع لغتنا الجميلة، ولهجاتنا العديدة ستظل أفضل، وأبلغ، وأجلّ ألف مرة من لغةٍ ركيكة يحاولون جاهدين أن يفرضوا سطوتهم علينا. فإن كنت تبحث عن الحميّة الوطنية فتحدث بلغتك العربية وإن كنت تحبو القوة والنفوذ فتحدث بلغة الضاد وإن كنت تريد الفخر والعزة فتحدث بلغة القرآن وإن كنت تتسأل عن الحق والواجب فهي حقٌ عليك أن تتحدثها، وحقٌ لابنائك أن يتعلموها اولًا قبل أي لغة ثانية يتحدث فيها العالم أجمع. ومسؤوليتك أن تصونها وتحافظ عليها لأجيالٍ تحافظ على إرث أجدادها وابائها في أبهى صور الإعتزاز والقوة، والفخرِ والعزة.
 المصادر:
 ‏١-https://cutt.ly/hLo9yu5
‏٢-https://cutt.ly/SLo2KTW

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سطوة اقلامنا

كيف أكون كاتبًا رائعًا؟