ثـغـرة لـسفـيه!


كم من المرات كنت مستلقيٍ على سريرك وغارق في هواجيسك ثم يظهر فجأة سؤالٌ غريب في عقلك كـ مثلًا من اتى اولًا الدجاجة أو البيضة؟ -سؤال مضحك لم نجد إجابتة بعد- فعندما ظهرت هذه الاسئلة الغريبة كل ما يستدعي منك لمعرفة الجواب هو أن تفتح هاتفك على جوجل وتسأل لتظهر الإجابة في ثوانٍ معدودة.
 إن الوصول للمعرفة اليوم أسهل بمائة مرة من الماضي فضغطة زر كفيلة بأن تشبع الفضول بإجاباتٍ قصيرة ومختلفة، يعود السبب لتنوع المصادر وسهولة استخدامها، فالسؤال الذي تعجز عن حلّة تستطيع أن تسأل صديقك الذي يبعد عنك سبع بحورٍ عنه، أو تفتح مقطع لعالمٍ افنى حياتي ليصل للإجابة لتعرفها في دقيقة، أو حتى لا تكلف على نفسك عناء التواصل وتلقي السؤال على شكل تغريدة أو منشور في وسيلة تواصل يتابعك فيها كل الأطياف. إنه بلا شك نعمة نحمد الله عليها في ظل وفرة المصادر وسهولة الوصول إليها لكنها تجعلني اقف وأدرك بأنه هي بدورها تؤثر سلبًا على اثراء معرفتنا ووعينا.

اذكر عندما درست عن الائمة المسلمين وكيف كان كل إمام يهاجر من وطنه واسرته بحثًا عن العلم في دار الحجاز فيكلفهم ذلك ليس المال والتعب فقط بل الوقت والغربة والعمر ليصلون فقط لمنبع العلم ونهر المعرفة، واذكر عندما درست عند جموع العلماء الذين يقطعون البحور ليستكشفوا فقط الطرف الآخر من العالم على باخرةٍ بالكاد تسعهم وتسع طعامهم بجهلٍ وحماس عما سيواجههم في طريقهم ليستطيعوا انهاء رسم الخارطة بأستكشاف دولٌ جديدة وعوالمٌ مختلفة. كانت سبل العلم وعِرة وصعبة ومتعبة لكنها بدورها آثرت وغذت ما نعرفه اليوم بما تعلموهُ العلماء واستكشفوه في رحلاتٍ كانت تمتد سنين وسنين دوّنوا كل معارفهم للأجيال القادمة.. لكن السؤال هنا يقول:
ماذا لو أن وفرة المعلومات هذه وسرعة الوصول إليها حدّت من قيمتها وجعلت معرفتنا سطحية فبالكاد نلمس لبها وفقط واقفين على سطحها بمنتهى…الإبتذال؟!!
لا تستطيع تنكر أن حصيلتك جراء قراءة كتاب هي نفس حصيلتك المعرفية عندما تجد الجواب في(تعليق) تركه احدهم أو موقع حدد الإجابة بالأصفر لتجدها بسرعةٍ وتذهب! إن ما يزيد الطين بلّه أنه مع زيادة هذه المصادر السريعة تقلُ المصداقية مع الوقت ولأن لا يوجد الكثير يتحققون من صحة المصادر تُترك ثغرةً واسعة للمعلومات المغلوطة والمعارف المحرّفة، فالتاريخ الذي سطره القادة والعلوم التي كان العلماء والخبراء يناقشونها بالأمس قد تكون اليوم لعبةً في يد سفيه لا يفقه!
واخشى أن يأتي يوم تكون أجيالنا فيه كما الحمار يحمل أسفارًا، أي بالرغم من كل العلوم والمعارف وسهولة البحث وغزارة المصادر لا يفقهون فيها ولا يعلمون إلا قشرة السطح الركيكة التي يتسرب منها التاريخ وتفقد فيها القيم. فإدراك الحقائق هذه يجب أن يحفزنا جميعًا على الحفرِ نحو العمق لا الجلوس على السطح، أن نعلم اطفالنا القصة كاملة بدلًا من ذكر أن الأرنب عصى امه فأكله الذئب، ونعرض الصورةَ الكاملة في صفوف الطلاب بدلًا من قصّها وتقصيرها، وأن نعزز كل معلوماتنا بمصادرها المتينة لئلا نترك ثغرة لسفيهٍ وجاهل. على آمل أن تكون أجيالنا الحاضرة والقادمة إمتدادًا لثورة معرفية ومعلوماتية وتاريخية خطّها الأسبقون. -عهد القحطاني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سطوة اقلامنا

كيف أكون كاتبًا رائعًا؟

كافييه أو مقهى؟